DR Khaled Abulfadle physiology site
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دروس شهر رمضان 1437(9): الفرصُ التي لا تعوَّض ... محمد بن إبراهيم النعيم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 7333
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: دروس شهر رمضان 1437(9): الفرصُ التي لا تعوَّض ... محمد بن إبراهيم النعيم   الثلاثاء يونيو 14, 2016 11:57 am


الخطبة الأولى:

أيها الإخوة في الله، كثيرًا ما نسمع ونقرأ، في مختلف الوسائل الإعلامية بعض الإعلانات والدعايات التجارية، عن عقارات أو معارضَ أو مُجمّعات تجارية فيها من التنزيلات والعُروض والتخفيضات التي تلفت الأنظار؛ لا سيما إذا رافقها بعض العبارات الجذابة كقولهم: (لا تدع الفرصة تفوتك)، وقولهم: (فرصة العمر)، وقولهم: (آخر فرصة)، وقولهم: (فرصة لا تعوض)، وقولهم: (حقق أحلامك ولا تدع الفرصة تفوت)، وقولهم: (اغتنم الفرصة الأخيرة)، وقولهم: (اغتنم الفرصة وتسوَّقْ قبل انتهاء فترة العرض)، ونحوها من كلمات وعبارات تجارية رنانة.

إننا نجد كثيرًا من الناس قد قَصَر، وحجرَ استخدام كلمة الفرصة على النواحي المادية، فقلَّما تستخدم هذه الكلمة في مكانها الحقيقي لتمثل فرصة العمر على حقيقتها. (وأقصد أن تستخدم كلمة الفرصة لأمر الآخرة). إن في حياة المسلم فرصًا كثيرةً لكسب الخير لا تعوض البتة طَوال الحياة؛ وكثير من الناس لا يلتفتون إلى ذلك.
فهناك فرص قد لا تتكرر في حياتنا فهلا انتبهنا لذلك! روى الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله قال: ((اغتنم خمسًا قبل خمسٍ شبابَك قبل هرمِك، وصحتَك قبل سقمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبلَ شَغَلِك، وحياتَك قبل موتِك)). قوله : ((اغتنم خمسًا قبل خمس)) معناه: اظفر على وجه المغالبة وقهر النفس خمسَ نِعَم قبل خمس مِحَن؛ فإن النعمة لا تدوم على ما هي عليه في جميع الأحوال؛ لأنه كما يقال من المُحال دوامُ الحال، فالشباَب يَبلى ويذبل، والصحة تضعُف وتذوي، والمال ظل زائل، سرعان ما يذهب ويزول، وينتقل من مورث إلى وارث، والفراغ نعمة من النعم التي يُغبن فيها الإنسان، وسرعان ما تأتي الشواغل، على حين غفلة، فيجدُ المرء نفسه عاجزًا عن تحقيق مآربه وأحلامه؛ بل وحتى الواجبات التي عليه؛ لِفَواتِ وقت الفراغ، وضياع الفرصة التي لم يَغتنمْها.

والحياة أنفاسٌ معدودة تنقطع بالموت في وقت ربما لا يكون في الحسبان، فيندم المرء على ضياع العمر فيما لا ينفع؛ ولا يُجْدِيه ذلك الندمُ شيئًا، فالفرصة إذا لم تُنتهَز فهي غُصّة، قال خالد بن مَعْدان: إذا فُتح لأحدكم بابُ خير؛ فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يُغلَق عنه؛ فاغتنم كما يقول لك من جعله الله رؤوفًا رحيمًا بالمؤمنين : ((اغتنم خمسَ فرص قبل فواتها))، وأول تلك الفرص أن تغتنم ((شبابك قبل هرمك)). أن تغتنم هذا القَدْر من العمر فيما ينفعُك في دينك ودنياك و لا تضيّعه في اللهو واللعب والشهوات، وإن الشباب هو زمن العمل الجاد؛ لأنه فترة قوة بين ضعفين: ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، والشباب هو وقت القدرة على الطاعة على تمامها، والشباب ضيف سريع الرحيل؛ فإن لم يغتنمْه العاقل؛ تقطّعت نفسُه بعدَه حسراتٍ. إن المرء منا يمر بعدة مراحلَ طَوال حياته؛ مرحلة الطفولة، ثم مرحلة الشباب، ثم مرحلة الكهولة، ثم مرحلة الشيخوخة.

ولقد رغب النبي بأن تكون مرحلة الشباب في حياة الفرد مليئة بالطاعات. (ومرحلة الشباب هي التي لا يتجاوز فيها العمر ثلاثين سنة). وما زاد عن ذلك حتى أربعين أو خمسين سنة يسمى المرءُ فيها كهلاً؛ فالذي تجاوز الثلاثين سنة، ولم ينشأ على طاعة الله فاتته فرصة عظيمة هي الاستظلال تحت ظل عرش الرحمن يوم القيامة؛ يوم تدنو الشمس من الخلائق بمقدار ميل؛ فيغرق الناس في العرق على قدْر أعمالهم؛ قال : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ شابّ نشأ في عبادة الله))؛ فيا حسرة الرجل منا الذي تجاوز الثلاثين عامًا ومرت عليه مرحلة الشباب ولم ينشأ على طاعة الله، إنها لفرصة فاتت ولن تعوض.

أخي المسلم، فإذا فاتتك هذه الفرصة، التي لن تعوض البتة فلا يفوتك أن تعلِّقَ قلبك بالمساجد، وأن تخفيَ صدقتك؛ كي لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، وأن تفيض عيناك عند ذكر الله خاليًا؛ كي لا تحرم من الاستظلال تحت ظل عرش الرحمن.

أما الفرصة الثانية: فهي أن تغتنم ((صحتَك قبل مرضِك))؛ أي: أن تظفر بالوقت الذي تكون فيه صحيح الجسم لتقضيه في ميدان العمل الصالح، وأن لا تؤخر فضيلة من الفضائل، وتقول: حتى أكبر وأتفرغ، فإنك لا تدري هل تظل صحيحًا معافى؛ أم يعتريك ما يُعِلُ صحتك ويقلل نشاطك؛ فتقول: يا ليتني صليت من الليل، ويا ليتني صمت من النوافل؛ ويا ليتني بذلت جهدي وقت قوتي، في الدعوة إلى الله، ونحو ذلك. كما إنها لفرصة عظيمة أن تكثر من الأعمال الصالحة وقت صحتك؛ لكي يكتب لك الثواب كاملاً في حال مرضك؛ فقد صحَّ عن النبي أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا)).

وأما من لم يستغل صحته قبل مرضه بكثرة الأعمال الصالحة، فسيفوته الخير الكثير وسيندم في حين لا ينفع الندم؛ فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ((ما من مسلم يُصاب في جسده إلا أمر الله تعالى الحفظة: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة من الخير، ما كان يعمل ما دام محبوسًا في وَثاقي)).
فاغتنام فرصة صحتك قبل مرضك، هو أن تبادر إلى شتى الطاعات قبل حلول المفاجآت؛ ولهذا رغب النبي أيضًا بالتعجل بالحج خشية مفاجأة المرض فقال : ((من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة)) رواه أحمد، والبيهقي عن الفضل .

روى شقيق قال: مرض عبد الله بن مسعود ؛ فعدناه فجعل يبكي فعوتِب. فقال: إني لا أبكي لأجل المرض؛ لأني سمعت رسول الله يقول: ((المرض كفارة))؛ وإنما أبكي أنه أصابني على حال فَتْرَةٍ، ولم يصبْني في حال اجتهاد؛ لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يُكتب له، قبل أن يمرض فمنعه المرض. رواه رَزِين (مرقاة المفاتيح 4/57)؛ فاغتنم صحتك قبل مرضك.

أما الفرصة الثالثة أن تغتنم فرصة ((غناك قبل فقرك))؛ بأن تكثر من الصدقات، وبذل المال في وجوه الخير، قبل تغير أحوالك الاقتصادية، أو قبل تغير أحوال المجتمع، الذي من حولك؛ فإن أعظم الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح؛ تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغتِ الحلقوم قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان.
إنها فرصة أن تتعرف على الله في الرخاء؛ ليعرفك في الشدة؛ كما ويحتمل أن يكون معنى قوله : ((وغناك قبل فقرك)): أن يكون هذا إنذارًا للغني من الفقر؛ إذا لم يُنفقْ من ماله في وقت الغنى؛ لا سيما وأن رسول الله أخبرنا بأن مَلكيْن يدعوان كل صباح: ((اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعطِ ممسكًا تلفًا)).
لقد أخبرنا الله عز وجل بأن المسلم؛ ليتمنى إذا مات؛ لو أنه أعطي فرصة أخرى للعودة إلى الحياة؛ لا ليتمتع فيها، أو يلهو فيها، وإنما ليتصدق ويكون صالحًا؛ ويبادر إلى الفرص التي فاتته طَوال حياته؛ قال الله تعالى: وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:10، 11].
الفرصة الرابعة: أن تغتنم ((فراغك قبل شَغَلك))؛ أي: أن تغتنم أوقات الفراغ في شَغْلِ النفس بما ينفعك؛ فالنفس إن لم تشغلْها بالحق شغلتك بالباطل؛ أن تغتنم فرصة فراغك لتصرفه ليس في سياحة ولا في لهو؛ وإنما فيما ينفعك في أمر دينك ودنياك؛ أن تستغل هذا الفراغ ـ الذي يكثر في مرحلة الشباب، وقبل تحمل المسؤوليات ـ، أن تستغله في حفظ كتاب الله وتعلم العلم الشرعي؛ لأنك إذا كبرت قد تخجل أن تتعلم، وقد يصعب عليك الحفظ؛ بل ولا تجد الوقت الكافي للتعلم؛ لأنك ستكتشف؛ أن الواجباتِ أكثر من الأوقات؛ ولهذا صدَق عمر بن الخطاب حينما قال: (تعلموا العلم قبل أن تسودوا)؛ أي: تعلَّمْ قبل أن تصبح مسؤولاً، وتنشغل، فلا تجد الوقت للتعلم؛ كما وإن الاستفادة من العلماء، والتعلم منهم عن قرب قبل موتهم فرصة لا تعوض، وقد قال : ((إن الله لا يَقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يَقْبضُ العلمَ بقبْضِ العلماء؛ حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً، فسُئِلوا فأفْتَوا بغير علم، فضِّلوا وأضَلُّوا)) مسلم. ففرصة عظيمة أخي المسلم أن تغتنم ((فراغك قبل شَغَلِك)).
الفرصة الخامسة والأخيرة في هذا الحديث: أن تغتنم ((حياتك قبل موتك))؛ بأن تقدم لنفسك ما ينفعك بعد موتك، ولا تسوِّف؛ حتى إذا جاء الموت قلت: يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى [الفجر:24]، يا ليتني تصدقت، ويا ليتني صمت، ويا ليتني صليت، ويا ليتني فعلت...؛ فيكون حالك كحال الذين قال الله تعالى عنهم: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ يَقُولُ يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى [الفجر:23، 24]. إن وجودك في هذه الحياة أعظم فرصة لجمع الحسنات وَللرُّقِيِّ في الجنة إلى أعلى الدرجات؛ فاغتنامُ حياتك قبل موتك؛ يكون بالمبادرة إلى التوبة قبل حلول الأجل، وقبل أن تغرغر فتلتف الساق بالساق. فقد قال : ((إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)). فإن اغتنام فرصة الحياة قبل الممات؛ هو أن تغتنم وقتك فلا تضيعْه في لهوٍ بَلهَ معصية. فكم من مستقبلٍ يومًا لا يستكملُه، وكم من مُؤمِّل غدًا لا يدركُه، وقد صحَّ عن الحسن البصري أنه قال: "ما من يوم ينشق فجرُه إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزودْ مني بعمل صالح؛ فإني إذا مضيت؛ لا أعود إلى يوم القيامة".
فكل دقيقة من حياتك هي فرصة؛ لن تعوض لأنه لا يمكن إرجاعها، أو تدراكها؛ فأمسِ الذي مرَّ على قربه يَعجَزُ أهل الأرض عن رده؛ وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: ((ما من ساعة تمرّ بابن آدمَ لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة)). كما إنها فرصة إلى المبادرة إلى التوبة؛ قبل ظهور بعض علامات الساعة الكبرى؛ فقد روى أبو هريرة أن رسول الله قال: ((ثلاثٌ إذا خرجْنَ لم ينفع نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ أو كسَبَتْ في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض)) رواه الإمام مسلم.
فاغتنم ((حياتك قبل موتك)) إنها خير كلمة جامعة في استغلال الوقت.
أيها الإخوة في الله وإذا انتقلنا إلى أحاديثَ نبويةٍ أخرى؛ كي نبحثَ فيها عن فرصِ الخير التي لا تُعوَّض؛ فستجد أن هناك الكثير من الأحاديث التي تدعونا إلى العمل بسنته قبل فوات الأوان.
فمن الفرص التي لا تعوض؛ وهي الفرصة السادسة في هذه الخطبة: أن تستغل وجود والديك على قيد الحياة لتبرَّهُما. فإن أعظم الفرص لك؛ لكي تدخل الجنة، أن تلزم والديك وتَبِرَّهما، فهما بابان لك إلى أبواب الجنة. قال : ((رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمَ أنفُ)) قيل: من يا رسول الله؟! قال: ((منْ أدركَ أبويهِ عند الكِبَر؛ أحدهما أو كليهما فلم يدخلِ الجنة)) رواه مسلم.
وقال في حديث آخر: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فأضِعْ ذلك الباب أو احفظْه)) رواه ابن ماجه.
فيا حسرةَ من مات والداه؛ ولم يَبِرَهما حيث فاتته فرصة عظيمة لا يمكن بأي حال أن يعوضها؛ لكي ينالَ رضاهما ويدخلَ بسببهما الجنة؛ فإن رضا الرب سبحانه في رضا الوالدين، وسخط الرب سبحانه في سخطهما.
أيها الإخوة الحضور؛ أما الفرصة السابعة، فهي أن تتبع السيئة الحسنة؛ إنها فرصة عظيمة، بأن تتوب من الذنب مباشرة قبل أن يسجَّل عليك؛ نعم قبل أن يسجل عليك فيسوِّدَ صحيفتك. فقد روى الطبراني، والبيهقي ـ في شعب الإيمان ـ؛ وصححه الألباني عن أبي أمامةَ أن رسول الله قال: ((إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ ، فإن ندم واستغفر ألقاها، وإلا كتبت واحدة)) لذلك لا نعجب إذا علمنا أن رسول الله ـ وهو الرحيم بنا ـ وقد وجهنا بقوله : ((اتق اللهَ حيثُما كنت وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها وخالق الناس بخلق حسن))؛ فتأملْ رحمة َالله بك؛ كيف يعطيك هذه الفرصة؛ بأن يجعل الملك، ينتظر ست ساعات؛ ـ لعله ينتظر منك توبة أو استغفارًا ـ وتأمل أيضا شفقة النبي ؛ وهو ينصحك بقوله: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحُها)) وكلمة أتبع تفيد المبادرة وعدم التواني؛ لذلك بادر إلى التوبة وإلا مُلِئَتْ صحيفتُك سيئاتٍ فرأيتُها يومَ القيامة عليك حسراتٍ.
الفرصة الثامنة: أن تحظى بالشهادة. وهي ليست شهادة (الماجستير) ولا (الدكتوراه) ولا شهادة خبرة؛ وإنما فرصة الشهادة في سبيل الله؛ فإنه من المعلوم أن كلّ من حقق معنى الشهادتين سيدخل الجنة برحمة الله؛ ولكن من منا يستطيع أن ينال درجة الشهادة في سبيل الله؛ وهي أعلى الدرجات بعد منزلة النبوة والصديقية. تأمل معي يسر رحمك الله ـ كلام المولى عز وجل ـ وهو يصف لنا مجيء أفضل طبقات المجتمع البشري؛ وهم الأنبياء والشهداء أمام الخلائق؛ ليقضى بينهم؛ إنه لشرف ما بعده شرف؛ أن يحشر الشهداء، مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ ٱلاْرْضُ بِنُورِ رَبّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَوهم لا يظلمون [الزمر:69]؛ فإنه لا توجد لك فرصة سانحة لتحقق هذا الحلم إلا بالجهاد في سبيل الله، وإن لم تستطع ذلك أو حال بينك وبينه حائل؛ فلا حَلَّ لك سوى أن تسأل الله الشهادة في سبيل الله بصدق؛ ومن فعل ذلك وصدَق مع الله؛ فإن الله سيصدقه؛ فقد وعد رسول الله من كانت هذه نيتُه ورغبتُه؛ أن يرزقه الله منازل الشهداء في الجنة؛ ولو مات على فراشه؛ فقد روى سَهْل بن حُنَيف أن رسول الله قال: ((من سأل الله الشهادة بصدق بلّغَهُ الله منازلَ الشهداء، وإن مات على فراشه)) رواه مسلم. فلا تدع الفرصة تفوتك ومن لم يفعل ذلك فإنه قد يموت على شُعبة من النفاق؛ والعياذ بالله من ذلك. فقد روى أبو هريرة أن رسول الله قال: ((من مات، ولم يغزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق)) رواه الإمام مسلم.
الفرصة التاسعة: أن تبادر إلى التحلل ممن ظلمتَه قبل أن تُسلَب منك حسناتُك يوم القيامة. فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه، من عرضه أو شيء فليتحلَّلْه منه اليوم؛ قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)).
الفرصة العاشرة والأخيرة في هذه الخطبة ـ كي لا أطيل عليكم ـ أن نبادر إلى إنكار المنكر، قبل نزول العذاب؛ فقد روى الإمام أحمد، والترمذي، عن حذيفةَ بن اليمان أن رسول الله قال: ((والذي نفسي بيده لَتأمرُنَّ بالمعروفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه، فلا يُستجابُ لكم)).
إن المنكراتِ لتنتشرُ في أسواق المسلمين ومنتدياتهم وبيوتهم ومجالسهم انتشار النار في الهشيم؛ وإن التبرج في أوساط النساء المسلمات بات مألوفًا فقلَّ الحياء، وانعدمت الغيرة. وإنها لفرصة لنا لننكر هذه المنكرات قبل أن يستفحل الأمر؛ فينزل العذاب؛ ثم إذا دعونا الله عز وجل؛ ليكشف عنا ما حلَّ بنا؛ فلن يستجيب؛ هكذا قال لنا من جعله الله رؤوفًا رحيمًا .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله من كل ذنب، لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام، على سيد الأنبياء والمرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فكم واحدٍ منا لا يزال يَعَضُّ على أصابع الندم؛ كلما تذكر كيف فاتَتْه فرصةٌ من فرص الحياة؛ لا يمكن تكرارها ولا تعويضها. وقليلٌ من الناس من يفعل ذلك في أمور الآخرة؛ إما لجهله بالثواب الذي فاته، أو لغفلته بالعقاب الذي ينتظره.
إن ما يجب أن نعرفه أن كل طاعة تَعِرض لك فتفوتك؛ إنما هي فرصة؛ لا يمكن تعويضها؛ لأن الأيام ليست متكررة؛ وإنما كلُّ يوم هو خَلْقٌ جديد، وإذا مضى فإنه لا يعود، إلى يوم القيامة، فإذا ضيعت يومك في غير طاعة، وفيما لا ينفع؛ فإنما ضيعت عليك فرصة الطاعات؛ التي مرت في هذا اليوم.
فهل أديت شكر اليوم الذي مضى؟ أي يوم الخميس؟! فقد قال : ((من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك؛ فمنك وحدك، لا شريك لك؛ فلك الحمد، ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم)). فمن لم يقل هذا الدعاء بالأمس؛ ضاعت عليه فرصة شكر ذلك اليوم إلى الأبد.
هل أديت شكر نعمة مَفاصِلِك بالأمس؟ فقد قال : ((على كل سُلامى من ابن آدم في كل يوم صدقة)).
وهكذا فإن هناك كثيرًا من الفرص؛ التي إذا فاتت، لا يمكن تعويضها؛ وكل عمل صالح يفوتك لا يمكن تعويضه، وكل دقيقة، تمر عليك، في غير طاعة؛ قد كانت لك فرصة من الله؛ لا يمكن تعويضها، أو تداركها. لذلك البِدارَ البِدارَ إلى استغلال الأوقات، وتدارك باقي الأعمار جعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.




study study study study study study study study study study
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://khafadle.ahlamontada.net
 
دروس شهر رمضان 1437(9): الفرصُ التي لا تعوَّض ... محمد بن إبراهيم النعيم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى دكتور خالد أبو الفضل الطبى :: أقسام المنتدى :: منتدى دكتور خالد أبو الفضل الاسلامى-
انتقل الى: